مسرحية الاغتيالات ونسيان الأحداث

مسرحية الاغتيالات ونسيان الأحداث

قبل أيام فقط قتل المدير العام للأمن الوطني علي تونسي، فاهتزت الصحافة الجزائرية والعالمية لهذا الحدث الخطير والأول من نوعه وما كادت تفعل حتى انطفت كل الأضواء المسلطة على هذه القضية ليصبح الحدث ملف من ملفات الأرشيف المقفلة وبسرعة كبيرة رغم أهميته وخطورته…

الحديث عن هذه الواقعة المؤسفة يجرنا للحديث عن الإغتيالات المتكررة ومن نفس النوع التي تحدث في الجزائر واحدة تلوى الأخرى، والتي لا تقل أهمية ولا خطورة عن اغتيال الفقيد تونسي، لكن ما يميزها عن بعضها هي طريقة الاغتيال والدافع وراء ارتكاب الجريمة. مرتكب الجريمة هذه المرة ليس ارهابي وليس من جهاز الموساد وليست له أي علاقة بتنظيم القاعدة، ولا يحمل أي فكر تكفيري أو جهادي، وإنما هو ابن الجيش الجزائري ووليد لثقافتي السلاح والكبرياء، هو عقيد متقاعد من الجيش، هو من يفترض أن الجلوس معه هو الأكثر أمان في الوطن كله لكن شاءت الأقدار أن انقلبت الآية ليتصدر الصحف العالمية بلقب “المجرم”.

لا أريد التركيز عن المجرم كثيرا، لأن الحديث عنه قد يجر القلم للكتابة عن أشخاص آخرين والغوص في القضية أكثر من اللازم، فلا يحزنني موت الضحية بقد ما يحزنني الحدث بعينه وبقدر ما تحزنني صورة الجزائر التي تزداد تشوها يوما بعد يوم في الخارج بأفعال أبنائها، فالمرحلة التي تمر بها الجزائر حاليا هي أخطر المراحل كونها تريد تحسين صورتها في الخارج بمحاربة الإرهاب والفساد والجريمة بكل أنواعها. لكن كل ملابسات هذه القضية تصب في وعاء واحد وهو وعاء الفساد. فكل المؤشرات تدل على ذلك، فالتستر على الفاسد هو فساد، لكن أن تفضحه وتطرح قضية فساده على الرأي العام فسيحوله من فاسد إلى فاسد ومجرم وسيحولك إلى ضحية.

مباشرة بعد الاغتيال حاول سعادة وزير الداخلية أن يغطي الشمس بالغربال بأن صرح أن الجاني أصيب بنوبة جنون جعلته يفقد صوابه ويصوب مسدسه نحو رئيسه في العمل، ثم بعدها بأيام صرح أن القضية كلها قضية شخصية والجريمة وقعت لخلافات شخصية بين الجاني والضحية وأنه لا يوجد شهود وأن القضاء هو من سيتولى الأمر بنفسه، محاولة منه لأن ينزع القضية من جذورها وتجاوزها بكل سهولة. لكن عائلة الفقيد أخلطت حسابات هذا الأخير ببيانها الذي أصدرته توضح فيه أن الضحية لم يكن لها أي خلافات شخصية مع الجاني، ما زاد القضية تعقيدا وما سيعطيها أبعادا أخرى أعمق وأكبر من أن تكون قضية شخصية.

فجرائدنا الوطنية قامت بواجبها المهني ونشرت كل الأحداث لحظة وقوعها وحاولت نشر أدق التفاصيل، وكان آخر خبر عرفناه عن الجاني أنه حي يرزق في المستشفى، وأنه استفاق من الغيبوبة وأنه سيبدأ في التحقيق معه في اليوم الموالي.. لكن جهة ما في مكان ما لم ترد لذلك أن يكون، أو أن الأمر كان لكن بعيدا عن أعين الصحافة حتى لا ينشغل المواطن بتطورات القضية ويواصل احتفلاته بأغنية “1, 2, 3, Viva l’algerie “ !

هذا السيناريو كله يذكرني بمسرحية عادل إمام “الواد سيد الشغال” حين قدم له خاله الخادم كوب الماء فأغضبه الفعل وأحزنته صورة خاله منحنيا له، ثم رُفع من صوت الموسيقى الحزينة، ليتأثر كل الحاضرون والمشاهدون والمتابعون للقصة، ثم وفجأة وما كادت الموسيقى الحزينة تنتهي حتى نطق عادل إمام:

ثم ماتت رابعة و مات شحير بن حنجلي و انتحرت حرقوفة بنت حرقفي بأن وضع سما بندقيا في قفاها فخرت كالبعبلي و مات شحنفون بن حنجلي و ماتت سحلبيسة بنت حلتبيس و مات الممثلون جميعا في هذا المسلسل ثم مات المنتج والمخرج وحينما عرض هذا المسلسل في التلفزيون مات المشاهدون جميعا.

لتهتز القاعة بقهقهات المشاهدين وحتى الممثلين معه ناسيين بذلك القصة المؤثرة ولحنها الحزين… وتواصلت المسرحية وانتهت! لكن المسرحية في الجزائر لم تنته بعد.

أعجبتك التدوينة؟ شاركها أصدقائك:

  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • RSS
  • Twitter
  • Yahoo! Bookmarks

الوسوم: , , ,

عدد التعليقات: 13 على “مسرحية الاغتيالات ونسيان الأحداث”

  1. martani_net
    2010/03/05

    ينشغل المواطن بتطورات القضية ويواصل احتفلاته بأغنية “1, 2, 3, Viva l’algerie “ !

    خير مثال :) ، حان الوقت لنكبر أربعا على هذا “الشعب العظيم “

  2. يونس
    2010/03/05

    @martani_net
    فعلا أخي، شعب مغلوب على أمره يريد نسيان همومه بشعارات وهمية

  3. بـوبكر نـور
    2010/03/05

    “مصائب قوم عند قوم فوائد” أعتقد أن هته الحكمة هي التي تلخص كل موضوعك و كل ما حدث في الجزائر و ما نقل من أخبار.

    ندعوا ربنا و خالقنا و صاحب الملكوت و الجبروت بالهداية و التوفيق للجميع… يا رب

  4. يونس
    2010/03/05

    @بوبكر نور
    أعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد، لكن قضية كهذه أكبر من أن تكون مصيبة قوم.. هي أكبر بكثير من ذلك. تأمل فيها جيدا.

  5. ايمان
    2010/03/05

    امر متوقع ان يتم اخفاء الامر،والهاء الشعب عن القضية،لكن برايي هذا لا يعكس الا الفساد المعشش في مملكة الكراسي،لغة الكراسي لغتهم وليست لغتنا واهل مكة ادرى بشعابها….وان حاولوا اخفاء الامر فهناك دوما ما لايمكن اخفاؤه وعلى فكرة احتفالات 1.2.3. فيفا لالجيري اشغلت المواطنين عن قضايا كبيرة وثقيلة طيلة هذا العام وليس قضية على تونسي فقط.

  6. يونس
    2010/03/05

    @ايمان
    طبعا ما يعكس الا ذلك. كلمة فساد متبوعة بالجزائر تملأ الصحف العالمية.

  7. أرابيك لووك
    2010/03/05

    سيناريو متكرر في كل حدث كبير مثل هذا قد يهز الجزائر , محاولة تغطية القضية و تغير أنظار الشعب إلى أشياء أقل أهمية …
    شكرا على المقال المهم و الشائك :)

  8. إلياس
    2010/03/06

    مسرحية شبيهة بمسرحية عادل إمام و قضية قتل علي تونسي 90 بالمئة بسبب قضايا الفساد في الدولة التي عشعش فيها الفساد و نفس الشىء الأن ينطبق على سونطراك فرغم ضخامة القضية , هل أحد منا سمع خبرا جديدا على قضية سونطراك , طبعا لا لأنهم قاموا بحجب الرؤية عن المواطن لأن إبن شقيقة سعادة وزير المحروقات متهم فيها , هذا هو كل شىء عندما تتورط شخصية مرموقة يقوم المسؤولين بتستر على القضية .

  9. Messaoud
    2010/03/10

    الله يرحمه إنه شهيد الوطن

  10. سليم
    2010/03/13

    أذكروا محاسن موتاكم ..
    أريد أن أفعل بها لكنني لن أزيد على كلام علي بلحاج : من يعيش في الفساد يموت بطريقة فاسدة ..
    طباخون جميعهم صديقي و لن أفهم أنا و لا أنت شغل العصابات .. مهما كنا عباقرة ..

  11. zawali
    2010/03/13

    الشعب يدرك تماما ما يحدث في السلطة من الخطأ أن نقول أن الشعب جاهل أو لا يدري أو أن الخبر لم يصله ، ربما هو يحاول أن يتجاهل الأمر و ويضعه في سياق عادي ، من أصغر جزائري إلى أكبرهم يدرك أن هناك صراع كرسي بين الجيش من جهة و الحكومة من الجهة ، الصراع بدأ يظهر و يحتد و بدأ الواحد يفضح فساد الآخر من الخليفة إلى سنوطراك …. أعتقد أننا مقبلون على تحول جدري في السلطة …..

  12. حسام الأخرس
    2010/03/14

    عزيزي إن التدقيق في هذه الأمور ومحاولة فهم سياسة دولة ما هي ضرب من المستحيل فما بالك أن تحاول تحليل سياسة دولة عربية أعتقد ان هذا كثير :) فستصطدم بمصطلحات سياسية لم يسبق لك ان سمعت بها وتفسيرها يقع على صاحبها ….. تحياتي لك يونس والمثال الذي وضعتة في آخر المقال مناسب جداً :)

  13. مُخٌتَلِف دوت كوم
    2010/03/15

    الإعلام لديه القدرة على تضخيم الحدث أو تهميشه ..سياسة بولتيكا

شارك بتعليقك لإثراء الموضوع:

للحصول على صورة رمزية بجانب تعليقك يرجى قراءة هذا الموضوع

التعليقات التي لا علاقة لها بالموضوع لا يتم نشرها